ابن حمدون

282

التذكرة الحمدونية

بالمدينة خلق من قريش إلَّا وافى الخليفة ، إلَّا من لا يصلح لشيء . فماتت بنت الحسين ، فأرسلت عائشة إلى محمد بن عمرو بن حزم ، وهو وإلى المدينة ، وكان عفيفا حديدا كبير اللحية ، له جارية موكَّلة بلحيته إذا ائتزر لا يأتزر عليها ؛ وكان إذا جلس للناس جمعها ثم أدخلها تحت فخذه - فأرسلت عائشة : يا أخي قد ترى ما دخل عليّ من المصيبة بابنتي ، وغيبة أهلي وأهلها ، وأنت الوالي . فأما ما يكفي النساء من النساء فأنا أكفيكه بيدي وعيني ، وأما ما يكفي الرجال من الرجال فاكفنيه : مر بالأسواق أن ترفع ، ومر بتجريد من يحمل [ 1 ] نعشها ، ولا يحمل نعشها إلا الفقهاء والألبّاء [ 2 ] من قريش ، بالوقار والسكينة ، وقم على قبرها ولا يدخله إلَّا قرابتها من ذوي الحجى والفضل . فأتى ابن حزم رسولها حين تغدّى ودخل ليقيل ، فقال ابن حزم لرسولها : أبلغ ابنة المظلوم [ 3 ] وأخبرها أني قد سمعت الواعية ، وأردت الركوب إليها ، فأمسكت عن الركوب حتى أبرد ثم أصلَّي وأنفّذ كلّ ما أمرت به . وأمر حاجبه وصاحب شرطته برفع الأسواق ، ودعا بحرس [ 4 ] فقال : خذوا السياط حتى تحولوا بين الناس وبين النعش ، إلا ذوي قرابتها ، بالسكينة والوقار . ثم نام وانتبه فأسرج له ، واجتمع كلّ من كان بالمدينة ، وأتى باب عائشة حين أخرج النعش ، فلما رأى الناس النعش التقفوه ، فلم يملك ابن حزم ولا الحرس منه شيئا ، وجعل ابن حزم يركض خلف النعش ويصيح بالناس من السّفلة والغوغاء [ 5 ] ، فلم يسمعوا حتى بلغ النعش القبر ، فصلَّى عليها ، ثم وقف فنادى من ها هنا من قريش ؟ فلم يحضره إلَّا مروان بن أبان بن عثمان ، وكان رجلا عظيم البطن نأنأ [ 6 ] لا يستطيع أن يثني من بطنه ، سخيف